رأي/ العالم لم يعد كما كان، فموازين القوى تتغير، والتحالفات تهتز، بينما تجد أوروبا نفسها في مواجهة معقدة بين واشنطن وموسكو. في خضم هذا التحول، جاءت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كضربة مدوية، لم تكتفِ بإعادة خلط الأوراق، بل كشفت تصدعات خطيرة في العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين.
ترامب، الذي اعتاد على إثارة الجدل، حمّل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مسؤولية اندلاع الحرب. هذه التصريحات لم تكن مجرد انحراف عن المسار الدبلوماسي المعتاد، بل إشارة واضحة إلى تغيير جذري في أولويات واشنطن.
التوتر بلغ ذروته بعد المفاوضات الأميركية – الروسية التي عُقدت في الرياض، والتي تم استبعاد أوكرانيا منها تماماً، في خطوة صدمت القادة الأوروبيين، ودفعتهم للتساؤل: هل تتجه واشنطن لصفقة سرية مع موسكو؟
ما زاد الطين بلة، أن الولايات المتحدة قدمت تنازلات مسبقة قبل بدء المفاوضات، بحسب بعض الخبراء السياسيين، وهو ما اعتبره المراقبون خطأً استراتيجيًا مكّن روسيا من فرض إيقاعها على المسار الدبلوماسي. رئيس الوزراء السويدي الأسبق كارل بيلدت، الذي خاض بنفسه مفاوضات مع الكرملين، وصف الأداء الأمريكي بأنه “هاوٍ وساذج”، مضيفًا:”الروس محترفون في استغلال نقاط الضعف، بينما واشنطن أظهرت ارتباكًا غير مسبوق في إدارة هذا الملف.”
أوروبا تخرج عن صمتها: هل انتهى زمن الولاء لواشنطن؟
التصريحات الأمريكية، إلى جانب تجاهل أوكرانيا في المفاوضات، دفعت أوروبا إلى التخلي عن لهجتها الدبلوماسية المعتادة. السويد، التي لطالما عُرفت بسياساتها المتزنة، جاءت في طليعة المنتقدين لنهج ترامب. وزيرة الخارجية السويدية ماريا مالمر ستينرغارد وصفت الموقف الأمريكي بأنه “فخ سياسي” تحاول واشنطن إيقاع أوروبا فيه، محذرة: “بوتين لا يريد انتخابات في أوكرانيا دعماً للديمقراطية، بل يسعى لإضعاف البلاد تحت ستار قانون الطوارئ. لا يمكننا أن نقع في هذا الفخ”.
أما بيلدت، فرفع سقف الانتقادات وشنّ هجوماً غير مسبوق على وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، واصفًا إياه بأنه “كاذب بلا خجل وغير جدير بالثقة”. وحذر من أن روسيا تتقن التلاعب بالمفاوضات السياسية، وتستغل حالة التردد الأمريكي لتحقيق مكاسب استراتيجية حاسمة.
هذه المواقف تعكس تحولاً جذرياً في الموقف الأوروبي، حيث بدأت القارة تدرك أن اعتمادها على واشنطن لم يعد مضموناً كما كان.
لطالما كانت أوروبا الذراع الداعمة للولايات المتحدة، لكن اليوم بدأت الأسئلة تتزايد حول مصير هذا التحالف التاريخي. ماذا لو استمرت واشنطن في تقاربها مع موسكو؟ هل ستجد أوروبا نفسها وحيدة في مواجهة روسيا، وربما الصين أيضاً؟
في الوقت الذي تنشغل فيه أوروبا بالتعامل مع الانقسامات داخل التحالف الغربي، تراقب الصين المشهد بهدوء، وربما تستعد لاستغلال هذا الفراغ لصالحها عبر تعزيز تحالفاتها مع موسكو أو الدخول كلاعب مؤثر في مفاوضات مستقبلية.
لم يعد بإمكان أوروبا الاستمرار في لعب دور التابع لواشنطن، فالتوازنات الدولية تتغير والمعركة لم تعد فقط في ميدان القتال في أوكرانيا، بل أيضاً على طاولات الدبلوماسية حيث يتم رسم حدود التحالفات الجديدة. أمام القارة العجوز، ثلاثة سيناريوهات محتملة، إما استمرار المواجهة مع روسيا بدعم أمريكي غير مستقر، مما سيجعلها أكثر عرضة للضغوط الروسية مع تراجع الضمانات الأمنية التي لطالما وفّرتها واشنطن، أو تقارب أمريكي – روسي يعزل أوروبا سياسياً وعسكرياً، خاصة إذا قرر ترامب عقد اتفاق مع بوتين، ما قد يدفع الأوروبيين إلى تسريع بناء جيش موحد للحفاظ على توازن القوى.
أما السيناريو الأخطر فقد يكون تحالفاً ثلاثياً بين روسيا وأمريكا والصين، ورغم أنه يبدو مستبعداً اليوم، إلا أنه قد يصبح واقعاً إذا قررت هذه القوى إعادة رسم النظام العالمي بما يتعارض مع المصالح الأوروبية.
وسط هذه المعادلة المعقدة، تجد أوروبا نفسها أمام خيارات محدودة: هل تعزز استقلالها العسكري وتسرّع بناء جيش موحد؟ أم تحاول فرض نفسها كوسيط محايد بين القوى العظمى؟ الإجابة على هذه الأسئلة قد تحدد شكل النظام العالمي الجديد.
الأيام المقبلة ستحمل الإجابة، لكن المؤكد هو أن المرحلة القادمة ستكون نقطة تحول في تاريخ أوروبا الحديث.
لينا سياوش
مقالات الرأي تُعبر عن رأي كتابها وليس بالضرورة عن SWED 24